الإعلان

قانونيون: إنشاء المحكمة الدستورية حتمي لضمان توافق التشريعات مع النظام الأساسي للدولة

الرؤية - سعاد العريمية
-

أكدوا أن غيابها يخلق "فراغا دستوريا"
◄شبهة "عدم الدستورية" قد تلاحق القوانين التي يقرها مجلس الشورى نتيحة لغياب المحكمة
◄ضرورة إنشاء المحكمة الدستورية لحماية نصوص النظام الأساسي للدولة
◄المحكمة الدستورية تعمل على حماية الحريات والحقوق العامة
◄الفصل بين السلطات الثلاثة.. دور رئيسي للمحكمة الدستورية
◄إنشاء المحكمة الدستورية يحقق اكتمال الهرم القانوني والتشريعي للسلطنة
◄المحكمة الدستورية صاحبة الحق في تفسير القوانين وإزالة التباس المفاهيم
◄ضرورة تمتع قضاة المحكمة الدستورية بـ"حصانة خاصة"
◄وجود المحكمة الدستورية يضفي استقرارا تشريعيا في المجتمع
◄يحق للقانونيين الطعن على دستورية الأحكام المختلفة ومدى موائمتها للواقع المحلي

أجمع خبراء قانونيون على أن إنشاء المحكمة الدستورية يعد أمرا حتميا للفصل في مدى توافق التشريعات المختلفة مع نصوص النظام الأساسي للدولة، فضلا عن دورها في تفسير القوانين وإزالة التباس المفاهيم التشريعية أو القانونية المختلفة.
وأكد الخبراء حاجة السلطنة لوجود المحكمة الدستورية، محذرين من أن غيابها يمثل "فراغا دستوريا"، نظرا لعدم وجود جهة اختصاص فعلية تفصل في القوانين المختلفة، خاصة مع توسيع صلاحيات مجلس الشورى في تشريع القوانين وطرح مشروعات قانون، ما قد يشير إلى شبهة عدم دستورية أي من هذه القوانين التي قد يقرها البرلمان.
وكانت اللجنة القانونية بمجلس الدولة قد ناقشت مؤخرا دراسة إنشاء قضاء دستوري من خلال تأسيس محكمة دستورية مستقلة أو تشكيل دائرة بالمحكمة العليا تختص بالقضاء الدستوري، تأكيداً لنص المادة (70) من النظام الأساسي للدولة، مما أثار جدلا وسط القانونيين والمختصين.

الفصل في النزاعات
وقال فضيلة القاضي موسى العزري رئيس محكمة نزوى إن المادة (70) من النظام الأساسي للدولة نصت على تعيين الجهة القضائية التي تختص بالفصل في المنازعات المتعلقة بمدى تطابق القوانين واللوائح مع النظام الأساسي للدولة وعدم مخالفتها لأحكامه وبين صلاحياتها والإجراءات التي تتبعها.
وأضاف العزري أن الاختصاص الرئيسي للمحكمة يتمثل في الرقابة القضائية على التشريعات، حيث إن أي تشريع مخالف للنظام الأساسي للدولة يعتبر مخالفة دستورية، وتقوم المحكمة بإصدار حكم بإلغاء النص التشريعي المخالف للدستور، ويحق لكل من له مصلحة رفع دعوة أمام المحكمة الدستورية وفق اجراءات قانونية محددة.
وأوضح العزري أنه انطلاقا من أن النظام الأساسي قد صدر منذ سنوات، لذا يتعين وجود المحكمة الدستورية لحماية النصوص الواردة في النظام الأساسي للدولة.
ويرى العزري أن أهمية المحكمة الدستورية للمجتمع تتمثل في حماية الحريات والحقوق العامة، حيث إن بعض النصوص التشريعية سواء الاجرائية منها أو الموضوعية قد تأتي مخالفة لما نص عليه النظام الأساسي للدولة، والذي أكد على حماية الحريات والحقوق العامة المختلفة على سبيل المثال، وعليه تقوم المحكمة بدورها في إلغاء النص التشريعي الذي ينتهك هذه الحريات المنصوص عليها في النظام الأساسي. وأشار إلى أن أهمية المحكمة الدستورية للدولة تنبع من دورها في منع أي تجاوز لأي سلطة من سلطات الدولة الثلاث لاختصاصات بعضها البعض.

اكتمال البنية القانونية

في السياق، شدد فضيلة القاضي حمود البلوشي رئيس التفتيش القضائي بوزارة العدل على ضرورة وجود محكمة دستورية في السلطنة لتحقيق اكتمال البنية القانونية. وقال إن المحكمة العليا هي المنوطة بهذا الأمر على اعتبار أنها جهة الاختصاص، وإقرار المحكمة من شأنه أن يحدث نهضة قانونية، خاصة والبلاد في خضم هذا الكم من التشريعات والتعديلات القانونية.
وأشار البلوشي إلى أن السلطنة في حاجة لإنشاء المحكمة الدستورية أسوة بسائر دول العالم حتى تتمكن من مواصلة التطور التشريعي، موضحا أن إنشاء المحكمة الدستورية يكتمل عقد البنية القانونية، معربا عن تأييده الكامل لإنشاء المحكمة الدستورية.
وقال القاضي ناصربن سالم الجابري إن إنشاء المحكمة الدستورية تم طرحه مؤخرا على طاولة مجلسي الشورى والدولة، مؤكدا أن وجودها يمثل أهمية كبرى، خاصة في الوقت الحالي مع مضيء السلطنة قدما في ترسيخ دولة المؤسسات. وحول تأثير غياب المحكمة الدستورية، شدد الجابري على أن عدم وجود المحكمة الدستورية يؤدي الى خلل في النظام القضائي، مبرزا أهمية تدارك الأمر وتتويج التطور القضائي الذي تشهده البلاد بإنشاء المحكمة الدستورية، حتى يكتمل البناء القضائي في الدولة.

موائمة القوانين

من جهته، قال جهاد الطائي رئيس جمعية المحامين العمانية إن المحكمة العليا تضم هيئة للنظر في تنازع الاختصاص، مشيرا إلى عدم كفاية هذه الهيئة باعتبار أنها لا تحل محل المحكمة الدستورية.
وأضاف أن هناك جوانب لا تغطيها سوى المحكمة الدستورية العليا والتي تختص بمراقبة القوانين ومراقبة تعارض القوانين بعد أن إجراء أي تعديل عليها من وقت لأخر. وتابع الطائي بالقول إن عمل المحكمة الأساسي هو الرقابة على دستورية القوانين، ومدى توافقها مع النظام الأساسي للدولة.
وأوضح رئيس جمعية المحامين العمانية أنه لا يدعو لإنشاء محكمة دستورية إلا أنه يشدد على ضرورة إنشاء محكمة تختص بالأمور المتفرعة عن النظام الأساسي من جميع القوانين، باعتبار أن النظام الأساسي "أبو القوانين"، ومن الضروري وجود محكمة دستورية أي كان مسمها، خاصة في ظل وجود قوانين تتعارض مع بعضها البعض وتحتاج الى إعادة مواءمة فيما بينها.

تطبيق النظام الأساسي
وقال الدكتور راشد بن حمد البلوشي مساعد عميد كلية الحقوق بجامعة السلطان قابوس إن وجود المحكمة الدستورية يعد أمرا مهما وحيويا، وهو مطلب بات يتداول على طاولة مجلسي الدولة والشورى.
وأضاف أن إنشاء المحكمة أصبح مطلبا شعبيا، وبالتالي فقد آن الأوان للمحكمة الدستورية أن تأتي للوجود، مؤكدا أن النظام الأساسي للدولة نص على هذا الأمر، وبالتالي فإن وجود المحكمة الدستورية يأتي تطبيقا للنظام الأساسي، حيث إن المحكمة تضمن عدم جواز تعارض القوانين والاتفاقيات الدولية مع النظام الأساسي، والتأكيد على سمو النظام الأساسي للدولة على بقية القوانين والمعاهدات التي تصادق عليها الدولة، كما تضمن المحكمة سمو النظام الأساسي للدولة على القوانين الداخلية النافذة والمعاهدات الدولية التي انضمت وصادقت عليها الدولة. وأشار إلى أن وجود المحكمة الدستورية مهم حتى تتواكب مع النظم القانونية في مختلف دول العالم.
واوضح الدكتور عبدالله بن محمد الغيلاني الخبير في الشؤون السياسية أهمية وجود المحكمة الدستورية، قائلا إن المحكمة الدستورية تُعنى بأمرين رئيسيين؛ أولهما تفسير المواد الدستورية في حالة الاختلاف نظرا لأن المواد القانونية بطبيعتها حمالة أوجه.
وقال الغيلاني إن النص الدستوري يحمل أكثر من تفسير، وفي حالة تضارب التفاسير وتصادم الفهم حول نص دستوري معين، فلابد من اللجوء إلى جهة ما لإعطاء التفسير النهائي لها، وهذا أمر مألوف، حيث إن الدساتير تصنع بلغة عامة وتحمل عدة تفاسير على اعتبار أن الدستور هو "أبو القوانين" والذي منه تنبثق كافة الجزئيات والتفاصيل القانونية.
التباس المفاهيم
وأضاف أنه من المتوقع أن يحدث تضاربا في الفهم أو أن النص الدستوري يحمل أكثر من تفسير، وهذا يؤكد الحاجة إلى وجود محكمة دستورية تكون هي صاحبة الحق في اعطاء التفسير النهائي للنص الدستوري.
وتابع أن المحكمة تعنى بالبت في النزاعات الدستورية، أي الاحتكام إلى الدستور في محاكمة السلوك السياسي أو القانوني للجهات الرسمية.
وضرب الغيلاني مثالا على ذلك بقوله إن المادة الثانية في الدستور العماني تقول إن "سلطنة عمان دولة عربية إسلامية وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع"، ومعنى هذا أن كافة القوانين والنظم والتشريعات الصادرة والمعمول بها في الدولة يجب أن تنسجم مع هذا النص.
وأشار إلى أن الانسجام يعني أنه ليس بالضرورة أن تكون كل القوانين التفصيلية منصوص عليها بالشرع، فهناك قوانين تجارية وجنائية وإدارية، فلا يجب أن نتصور أن كل هذه القوانين مستمدة من التشريع الإسلامي، وانما منسجمة معه أي أن لا يكون هناك نص قانوني تفصيلي أو جزئي يصطدم مع النص الدستوري على اعتبار أن النصوص الدستورية تعد نصوصا سامية لا يعلى عليها.

شبهة عدم الدستورية

وزاد الغيلاني بالقول إن المقصود بالبت في النزاعات هو أن يأتي أي إنسان أو جماعة ويقول إن هذا قانون غير دستوري أي أنه يتعارض مع الدستور، خاصة وأن هناك ممارسات قانونية وسياسية لا تكون منسجمة مع النصوص الدستورية، وبالتالي يطعن فيها والذي يفصل فيها هو المحكمة الدستورية. وأشار إلى أن هناك 3 اعتبارات رئيسية تؤكد ضرورة وجود المحكمة الدستورية وهي استكمال البناء القانوني للدولة، حيث إن هناك "منطقة فراغ" نتيجة لعدم وجود أي جهة تختص بالقضايا الدستورية، وثاني الاعتبارات تتمثل في الحاجة إلى الفصل في النزاعات الدستورية، وهنا لا توجد جهة تتولى هذه المسألة، وثالث الاعتبارات تتضح في الحاجة العصرية التي تفرضها طبيعة اللحظة السياسية اليوم، خاصة وأن عمان تعيش حياة سياسية نشطة، وبالتالي من الطبيعي أن يتولد عنها كثير من النزاعات وتتعدد التفاسير الدستورية، فطبيعة هذه اللحظة تقتضي وجود جهة تتناغم مع المطالب المتعلقة بالحاجة السياسية.
وأكد الغيلاني أن المحكمة الدستورية ذات شأن كبير وهي في الغالب تفصل في النزاعات بين الدولة والمجتمع، فإذا ما جاءت أية طعون من أفراد أو جماعات ضد أية ممارسات سياسية وقانونية صادرة عن مؤسسة من مؤسسات الدولة، وبالتالي يجب أن تتمتع المحكمة الدستورية بحصانة من نوع خاص، ذلك أن أحكامها تترتب عليها أمور كثيرة.
وقال إن القضاة في المحكمة الدستورية يجب أن يتمتعوا بحصانة خاصة، حيث لا ينهي القاضي في المحكمة الدستورية عمله إلا في أربع حالات وهي الوفاة والعجز والاستقالة من جانب القاضي أو الإقالة، ويتم تنفيذ قرار الإقالة بعد إقراره من السلطة التشريعية تحقيقا لحصانة المحكمة الدستورية، فاذا اقتضى الأمر إقالة أحد قضاة المحكمة الدستورية يجب أن يتم عبر السلطة التشريعية بعد أن تقوم بإجراء محاكمة عادلة وبالتالي اتخاذ القرار المناسب، لافتا إلى أن هذا الأمر معمول به في جميع الدول وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، إذ أن إقالة قاض بالمحكمة الدستورية لا يتم إلا من خلال مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية من البرلمان الأمريكي).
صمام أمان
وأكد الدكتور حمد الربيعي الخبير القانوني أنه من المفترض أن يكون لأي دولة محكمة دستورية لمتابعة القوانين والتأكد من مشروعية القوانين والقرارات الإدارية.
ويرى الربيعي أن وجود المحكمة الدستورية يضفي نوعا من الاستقرار التشريعي في المجتمع، خاصة أن السلطنة دولة مؤسسات، ووجود المحكمة الدستورية بمثابة صمام أمان للقوانين، حيث إنها تحدد مدى مشروعية القوانين، خاصة وأن هناك قوانين قد لا تصبح صالحة ولا تكون في مصلحة المواطن بعد مرور فترة زمنية على وضعها، وهنا يحق للقانونيين الطعن في مدى دستوريتها، ذلك أنها لا تتناسب وواقع المجتمع المحلي، حيث إن كل وقت له قوانينه الخاصة به.

تفسير النصوص
ويرى أحمد المخيني نائب عميد "مركز سعيد الشحري" أن أهم دور للمحكمة الدستورية يتمثل في البت في القوانين حال وجود اي إجراء أو تدبير إداري أو مالي لا يتفق او يتنافى مع مبادئ النظام الأساسي للدولة، حتى لو لم يكن هناك قانون ينص على ذلك.
وأضاف أن المحكمة الدستورية هي التي تقضي في الأمر وبالتالي تحمي المبادئ التي يقوم عليها النظام الأساسي، لافتا إلى أن المحاكم الأخرى تفتي في القوانين الموضوعة حاليا، بينما المحكمة الدستورية تفسر النصوص الموجودة وغير الموجودة.
وأوضح المخيني أن المحكمة الدستورية تحمي المبادئ التي تشكل نواة نظام السلطة القانونية، وهناك مادة تنص على إنشاء هيئة دستورية ضمن إطار المحكمة العليا، غير انها "للأسف لم تفعل وتم تعطيلها"، على حد قوله، وتساءل المخيني عن أسباب عدم تفعيل هذه الهيئة ضمن نظام السلطة القضائية، حتى تقوم مقامها.