فتحت الزيارة التي قام بها الرئيس الألماني للسلطنة قبل نحو شهر، آفاقا واسعة للتعاون بين البلدين، خاصة في مجال الطاقة الشمسية.. وفي هذا الصدد تتوفر السلطنة على جملة عوامل محفزة ينبغي توظيفها في مساعيها الرامية إلى إرساء قواعد هذا النوع من الصناعة المبتكرة والاستثمار الرائد.في مقدمة هذه العوامل، تلك الأرصدة من العلاقات الحسنة مع دول العالم، و السمعة الطيبة التي تتميز بها عالميا، و الاستقرار السياسي الذي تتمتع به بلادنا بفضل القيادة الحكيمة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه-. وكل هذه معطيات ينبغي البناء عليها وتعظيم الاستفادة منها لبناء مستقبل واعد.
ومن العوامل المحفزة على قيام هذا النوع من الصناعة شمس ساطعة طوال أيام السنة ورغبة صادقة من الحكومة في فتح المجال لهذا النوع مما يمكن الاصطلاح عليه بـ "استثمارات المستقبل"، مدعوما بمناخ الأعمال المستقر، وتبني السلطنة لسياسات حماية البيئة.
زيارة الرئيس الألماني كانت البداية، تبعتها العديد من المبادرات لتفعيل العلاقات بين البلدين، من أهمها زيارة وفد ألماني رفيع المستوى يضم نخبة من المستثمرين ورجال الأعمال للبدء في شراكات اقتصادية كان أهمها الاستثمار في الطاقة الشمسية.
وفي هذا الإطار جاء الاعلان عن اعتزام صندوقي استثمار سويسري وألماني اجتذاب استثمارات لإقامة مشروع متكامل بقيمة ملياري دولار لتطوير تكنولوجيا الطاقة الشمسية في السلطنة، وهو أمر مبشر للغاية، وسيكون له مردودات إيجابية على صعيد لفت الانتباه الى هذا القطاع الواعد وما يتوافر له من مقومات نجاح في بلادنا المشمسة.
ومما ينبيء بأهمية هذا الاستثمار شموله كافة مدخلات هذه "الصناعة" من بناء مصانع للخلايا الشمسية إلى تصنيع الألواح الشمسية وإطارات الألمنيوم الخاصة بالألواح الشمسية وغير ذلك.
وهذه التوجهات الرائدة صوبت الأنظار إلى السلطنة كونها أحد أهم المواقع العالمية للطاقة الشمسية المتجددة المولدة من مصدر طبيعي لا ينضب. ولربما كان هذا أهم ما في الأمر كون الطاقة الشمسية متجددة بل هي طاقة المستقبل. ولقد كان لموقع عمان الجغرافي الأهمية في هذا المورد لأن الشمس تسطع علينا على مدار العام ولكوننا نتوسط العالم و بقيام هذه الشراكات والخبرات سنتمكن من الولوج الى هذا المجال بقوة شريطة أن لا نضيع الكثير من الوقت في الانتظار.
وقد أصبح من المعروف الآن، أن كثيراً من الدول وخصوصاً الدول المتقدمة تسعى وبكل ما أوتيت من قوة، إلى الكشف عن مصادر أخرى للطاقة المتجددة والنظيفة، وعلى الرغم من اكتشاف عدد كبير من مصادر الطاقة البديلة إلا أن الواقع يشير إلى محدودية قدرة تلك المصادر –لغاية الآن- في أن تصبح بديلاً منطقياً للبترول. إلا أن أبحاث مصادر الطاقة البديلة تفتح كل يوم ثغرة جديدة في جدار صمود البترول كمصدر أول للطاقة العالمية، فاحتياطيات البترول ومهما بلغت فإنها محكومة بالنضوب في نهاية المطاف في ظل الاستهلاك العالمي الجائر له، علاوة على كونه مصدرا غير آمن لجهة تذبذب أسعاره، وعدم استقرار مناطق إنتاجه وتصديره، وكل هذا يدفع جهود البحث عن مصادر بديلة متجددة ونظيفة وآمنة تغني عن البترول، حتى أصبح ذلك هدفاً تسعى إلى تحقيقه أطراف متعددة تحدوها دوافع استراتيجية واقتصادية وأمنية، وربما أبعد من ذلك.
إن الصراع الرئيسي في العالم اليوم يتمحور حول امتلاك مصادر الطاقة وبذلك تبقى منطقة الخليج العربي إحدى النقاط الرئيسية للتوتر لما تمتلكه من احتياطيات نفطية هائلة. وسيكون لها ذات الدور مستقبلا بعد نضوب الاحتياطات النفطية فيها، وذلك لامتلاكها الطاقة الشمسية في صحاريها المفتوحة.
وهنا يمكن فهم ما صرح به الأمريكيون مؤخرا بالقول "أعيننا لن تنام عن هذه المنطقة"، في ذات الوقت الذي يعلنون فيه انسحابهم عن مناطق أخرى في العالم.
إننا مدعوون إلى النظر في مستقبل هذه الطاقة العملاقة، والاستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في مجال الطاقة الشمسية، واستثمار حاجة الدول الأوروبية التي لا ترى الشمس، وهاجسها في البحث عن وسيلة لنقل الطاقة الشمسية الساقطة على الصحراء الكبرى لإمدادها مستقبلاً باحتياجياتها من الطاقة ولكافة الاستخدامات، وذلك انطلاقاً من أن الدراسات الأولية أشارت إلى أنه بإمكان مساحة ١٦ ألف كيلو متر مربع من الصحراء مغطاة بالمرايا المقعرة، إنتاج طاقة كهربائية تكفي لسد حاجة أوروبا كلها. ولا شك أن جميع الدول التي تقع على خط العرض نفسه للصحراء الكبرى سوف تكون لديها مناطق تفي بذات الغرض، خصوصاً تلك الدول التي تصل درجة الحرارة فيها إلى ما يربو على (٤٥) درجة مئوية ومنها السلطنة.
علينا ان نستثمر في هذه الميزة الاستثنائية التي نتمتع بها والتي تجعل من بلادنا من المواقع الشديدة الأهمية للطاقة الشمسية.
نعلم جميعا أن النفط كوقود أحفوري ناضب لا محالة حتى وإن استمر لعقود قادمة. ومن هنا تأتي أهمية البحث عن مصادر بديلة للطاقة ومن أهمها النووية والشمسية. وهذا يستوجب التركيز على مواكبة التطورات التقنية لضمان مستقبل الأجيال القادمة. فمن لا طاقة له، لا مستقبل له.
كنا لسنوات خلت بعيدين عن التفكير في مصادر الطاقة المتجددة، كوننا دولة نفطية، إلا أن التوجه نحو الطاقة البديلة لا يعني التخلي عن النفط لعقود قادمة، وإنما لتعزيز مصادرنا في الطاقة، وأن نأخذ بالجديد من علوم واكتشافات تعيننا على مواجهة تحديات المستقبل، وتجعلنا في موقع الاستفادة من التقنيات المتقدمة من الدول الصديقة ومنها ألمانيا وكوريا الجنوبية والصين والولايات المتحدة الامريكية.
إذاً.. لا تناقض بين تطوير إمكانياتنا في مجال الطاقة الشمسية وكوننا دولة نفطية، حيث انه يمكن تسخير النفط في أغراض أخرى. ومعلوم أن الانتقال من الطاقة التقليدية الى البديلة لن يحدث بين ليلة وضحاها، فهذا التحول يلزمه الكثير من الاستثمارات والتخطيط الاستراتيجي. ورغم أن التغيير سيحدث تدريجيا ويتطلب المزيد من الوقت، إلا انه علينا الاستعداد من الآن بوضع وتنفيذ استراتيجية تقوم على تطوير الخبرة البشرية في مجال الطاقة المتجددة وإدخال مناهج متطورة ونوعية وتخصصات دقيقة في جامعاتنا وكلياتنا تخدم هذا التوجه مع التركيز على الأبحاث ذات العلاقة بالاستثمار في هذا المجال. ومؤسسات البحث العلمي في بلادنا عليها أن تضع الطاقة الشمسية ضمن برامجها الحالية والمستقبلية، فهي أحد أهم البدائل المهمة كونها نظيفة ومستدامة وصديقة للبيئة والإنسان ويمكن تحويلها الى وقود قابل للتخزين والنقل عبر نظام الكتل الحرارية.
وكما هو معروف فإن مشروع الاستفادة من الطاقة يرتبط بوجود أشعة الشمس وهو ما يتوفر بامتياز لدينا على مدار العام لموقعنا الجغرافي، فبلادنا من أوفر البلاد نصيبا من أشعة الشمس التي ستمثل في المستقبل القريب إحدى أهم الثروات الطبيعية. وهذه العوامل -كما أسلفنا القول- وغيرها تجعلنا أكثر تحفزا للإسراع في بلورة استراتيجية لتطوير تقنيات المستقبل الواعدة ووضع خطط تلتزم بجدول زمني واضح.
وقد يفيد في هذه المرحلة تأسيس هيئة عامة ذات خلفية اقتصادية وتدار على أسس علمية للعمل على تطوير مصادر الطاقة المتجددة، بالتعاون مع جهات بحثية محلية ودولية، وتنمية استخدامها ضمن خطة مستقبلية تتيح لنا الاستفادة القصوى من هذا المورد المتجدد.
ولعل من البشريات المفرحة أن السلطنة قد بدأت تخطو خطوات عملية في هذا الطريق، من خلال اعتماد هيئة تنظيم الكهرباء مجموعة من المواقع لتنفيذ ستة مشروعات تجريبية للطاقة المتجددة بسعة إنتاجية تقدر بـ 6,6 ميجاوات، خاصة أن الدراسة التي أعدتها الهيئة أكدت إمكانيات التوليد الكبيرة للطاقة الشمسية في السلطنة.
ها نحن قد بدأنا مشوار الألف ميل، والمأمول أن يستمر تسارع الخطى في هذا المشوار المستقبلي الحيوي الذي يرسم معالم طريقه ضياء الطاقة المستمد من شمسنا المشرقة، وإذا واصلنا المسير حتما سيأتي اليوم الذي نصدر فيه شمسنا إلى العالم.
|
|


01:22:42



