الثلاثاء, 26 يوليو/تموز 2011 03:52
آمال عوّاد رضوان
-
الفكرُ المتزمّتُ المتعصّبُ العنصريّ يُسهمُ في خلقِ الضّبابيّة وإبقاءِ التخلّفِ والدّونيّة، ويُعوّقُ كلّ مشاريع النّهضة، خاصّة إن كان في يدِ صُنّاع قرارٍ ومسؤولين، يُمارسون فِكرَهم بتصرّفاتٍ لا إنسانيّةٍ، وبمبرّراتٍ تخلو مِن الضّمير!
وبينَ استنكارِ الرّعيّة متعدّدةِ الأطياف وبين استعلاءِ السّلطةِ بجاهِها وقوّتِها وعنجهيّتِها، هناكَ آثارٌ وخيمة مِن حرمانٍ وتهميشٍ وقتلٍ ونبذٍ وصراع تتعرّضُ لها البشريّة وخاصّة الأقليّة، وبدلاً مِن الاهتمام بالبناءِ والرّقيّ والتّحضّر، يتحوّلُ اللّبُّ والجوهرُ إلى خارج قشورِهِ، وتغدو لغة إثارةِ الكراهيّةِ والتّعصّبِ والغرور هي المهيمِنة في الصّراع السّياسيّ بين أحزابهِ وفئاتِهِ، وتصيرُ أيضًا هي اللغة المترجَمة في التناحرِ بين النّسيج الاجتماعيّ للشّعب الواحد والشعوب المجاورة!
هناك شواهدُ كثيرةٌ قديمةٌ وحديثةٌ مِن النّزاعاتِ والتّوتّرات، التي أُدرِجتْ في خانةِ التّمييزِ العنصريّ عبْرَ التاريخ:
الفرعون سيسوتريس الثالث في القرن التاسع عشر ق. م منعَ السّودَ مِن نزولِ نهرِ النيلِ بالقارب!
المصريّون سَمَّوْا كلّ مَن لا يتكلم لغتهم بالبرابرة!
فُرضَ على اليهود عام 1215 أن يُعلقوا شارة صفراء بعد المجمع الكنسيّ الرّابع، وذلك كي يميّزوهم ويُجنّبوهم الاختلاطَ بالمسيحيّين.
كما يعتبرُ غوبينو أحدَ آباءِ العنصريّةِ و رجالاتِها، وأوّلَ صاحب مذهب العنصريّة، وقد اعتبرَ مَن هم مِن العِرق الأبيض آلهة، وآمنَ بفكرةِ القوّةِ والقانون، وحارب فكرة المساواة والعدل.
أمّا هوستون ستيوارت شمبرلين في جمعيّة غوبينو، فكانت فكرتُهُ تتطلّبُ الحفاظ على الدّم الجرمانيّ والدّفاع عن الدّيانةِ الكاثوليكيّة للجرمان، وأيضًا نشر الفكرة النازيّة بين الجرمانيّين، فالتقى بهتلر لأداءِ المهمّة الإلهيّة الألمانيّة العنصريّة، وقامَ بالإبادة الجماعيّة لليهود عام 1924، لأنهم أعداء المسيحيّة والفِكرِ النازيّ، كما قتل مِن الغجر ما يناهز 800 غجريّ عام 1941، على اعتبار أنّهم مجرمون بالفطرة.
وقضيّة الأبارتايد بين البيض والسّود في إفريقيا انبثقت مِن فِكرٍ شرّير، ومِن سياسةِ الدّفع وليسَ التطوّر، لكن هذه السّياسة أدّت إلى انتفاضاتٍ وفتنِ سويتو، وراح ضحيّتها 176 شخصا عام 1976 في مدينة الكاب.
أمّا قضيّة الزّنوج الرّق في أمريكا وموضوع استعباد ما لا يقلّ عن أربعة ملايين حتى عام زنجيّ 1860، فقد أدّت إلى صراعات ونزاعات، وعام 1865 ألغى الدّستور قانون الرّق، وأعطى الزنوجَ نفسَ حقوقِ البيض والجنسيّة وشهادة الميلاد، وحقّ الانتخاب حصلوا عليه بعدَ صراع مريرٍ مع سياسةِ العنصريّة المتواطئة معَ المحكمةِ العليا.
وهناك قضايا اليهود في الاتحاد السّوفييتيّ، والقضيّة الفلسطينيّة مع اليهود لا زالت عالقة، وقضايا أخرى عديدة.
اليوم..
ورغم المشاهدِ العنصريّةِ والممارساتِ الفظيعةِ واستفحالِ المجازر البشريّة، ورغم فنون مذابح الحروب والسّجون التي تغصُّ بها حكايا الشعوب، إلاّ أنّ العالمَ بأسرهِ لم يزلْ يتغنّى ويتشدّق باتّفاقيّاتِ حقوقِ الإنسان الدّوليّة والإقليميّة، التي يهدفُ حِبرُها إلى معالجةِ وحمايةِ مسائل الإنسان والأقليّات خاصّة، وكذلك قضايا المجموعات الصّغيرة.
وبعودةٍ خاطفةٍ إلى التاريخ، نجدُ أنّ هذه الوثائقَ ظهرت في العهد الأعظم بإنكلترا عام 1215 م، ثمّ في وثيقة الحقوق الإنجليزية عام 1689م، وفي الدّستور الأمريكي عام 1787 م، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن بفرنسا عام1789 م.
لقد ثُبّت هذا الصّوتَ الإنسانيّ عالميًّا بحِبرٍ يتدفّقُ بينَ سطورِ الوثائقِ الحقوقيّة منذ 10-12-1948، بالاعلان العالميّ لاتفاقيّاتِ حقوق الإنسان المنبثِقِ عن الجمعيّةِ العامّةِ لمنظمة الأمم المتحدة، ومِن أهمّ أغراض هذه الاتفاقيّة:
مراعاة واحترام حقوق الإنسان بشرائحِه العمريّة، طفلاً، امرأةً، عُمّالاً، أقلّيّة، وذلكَ في مجالاتِ الكرامة، المساواة، العدل، السّلام، الحرّيّة، والحماية القانونيّة لهذه الحقوق.
ولكن؛ هل يمكن بالوثائق المكتوبةِ أن يتوازنَ العالمُ بالعدلِ بينَ حقوقٍ وواجبات؟
لا بدّ مِن توطيدِ العملِ بالحقوقِ مِن خلال التعليمِ والتربية، كي يتفوّق الإنسانُ على جهلِهِ وكي يعرف حقوقه، وأيضًا لا بدّ من الممارسةِ الفعليّةِ إضافة للتثقيفيّة، وبالتاي التعامل مع الإنسان بروح الإخاءِ دون تمييزٍ للون أو عرق، لغة، أصل وطني، اجتماعيّ، حزبيّ، دينيّ، مادّيّ أو سياسيّ، ودون التّعرّض للعقوباتِ والتعذيب والمعاملة القاسية الوحشيّةِ التي تحُطّ مِن كرامته.
عام 1966 حدّدت الجمعيّة العامّة للأمم المتحدة تاريخ 29- 7 تموز يومًا عالميًّا لمكافحةِ التمييز العنصريّ، ويعودُ ذلك إثرَ حادثةِ إطلاق الرّصاص مِن قِبلِ الشّرطة، ومقتل 69 شخصًا عام 1960 في مظاهرةٍ سلميّةٍ في شار بفيل بجنوب أفريقيا، ضدّ قوانين "المرور" المفروضةِ مِن قِبل النظامِ العنصريّ.
وقد عُرّفت العنصريّة على أنّها عمليّة "استثناء" أو "تفضيل"، تقومُ على أساس (العِرق، اللون، الدّين، النسب، أو الأصل القومي)، وتستهدفُ عرقلة حقوق "الآخر" وحرّيته الأساسيّة وممارستها في الميادين السّياسيّة، الاجتماعيّة، الاقتصاديّة والثقافيّة!
ولكن مرآةَ التاريخ عكست وقائعَ بشعةً مِن بَعدِ هذه الاتفاقيّات والوثائق الحقوقيّة، فقد نُفذت حروبٌ كثيرة منذ عام 1948 في فلسطين، لبنان، العراق، الصّومال، الشيشان ودول أخرى والقائمة طويلة..
مَن يقفُ على رأس وتحريكِ هذه الحروب التي دمّرت شعوبًا وأوطانًا وباعتْ بلادًا؟
مَن الذي بادرَ إلى إعلاءِ صوتِ حقوق الإنسان، وتشكيلِ جمعيّاتِ الأمم المتحدة والهيئاتِ الدّوليّة؟
الدّول الكبرى أم الصّغرى؟
لماذا العملُ على تفتيح عيونِ الجهل على المعرفةِ الوهميّة، تحتَ مِظلّةِ ادّعاءِ الحقوق؟
إهي خدعةٌ للضّحكِ على اللّحى والذقون، أم نوعٌ مِن المُسكّناتِ الحالمةِ للمستضعَفين؟ أم حيلةٌ للَجْمِ ولإلزامِ الدّول المستضعَفةِ بالقوانين الجديدةِ؟
هل ينبغي للشّعوب المستضعفةِ أن تتيقّظَ مِن أحلامِها، وتعملَ بالقول "اِسمعوا أقوالَهم ولا تفعلوا أفعالَهم"؟